| |
حسن عبود امتاز الكاتب المسرحي البصري " عبد الكريم العامري بكتابات مسرحية تنحو منحا تعبيريا ،ويغمرها حس مرهف ، كما وامتازت بالروح الشعبية التي تكاد أن تمنحها نكهة خاصة ، تتأتى عبر لغة مرنة لأنها تجمع بين القياسية والدارجة والنثر والشعر ، ولعل جل المعطيات المذكورة أنفا تشكل سببا وجيها للنجاح الذي أحرزته العروض التي قدمت بمؤلفاته وعبر فترات متفاوتة .وعلى رأس ما قدم من تلك العروض تأخذ مسرحية" كاروك " مركز الصدارة لما نالته من نجاح وشهرة ضجت بها العاصمة بغداد وباقي المدن العراقية . أما مسرحية" كوميديا عراقية " فهي الأخرى كان لها حصة جيدة من النجاح عندما عرضت في كلية الفنون الجميلة ، وحققت مسرحية (في رأسي بطل) نجاحا آخرا .
وللعامري مؤلفات أخرى لو قدر لها أن تخرج لأصابها من النجاح ما يفوق سابقاتها ونذكر من تلك المسرحيات مسرحية " دمية الصبر " المستوحاة عن نص " ميديا " للكاتب اليوناني " يوربيدس "وأيضا مسرحية " حفل سمر من اجل 9 حزيران " والمطلع على هذه المسرحية يدرك القيمة النصية التي اكتنفتها . وبعد هاتيك العطاءات التي خصت بالذكر وما خفي عنا منها ولم نذكره جاء العامري ليضع بين أيدينا نصه الجديد ( جناسي ) الذي يطرح من خلاله مظلومية الشعب العراقي والانتكاسات الحادة التي تعرض لها مهاجما بعنف اللامبالاة الشخصية . ونتيجة لتعدد الأفكار المقدمة من خلال هذا النص وعدم اعتماده على فكرة واحدة تتنامى باتجاه الذروة الدرامية فقد وجد العامري عذره بالابتعاد عن التسلسل المنطقي للحدث ،وبذا فقد اعتمد بناءات درامية منفصلة عن بعضها ومستقلة بموضوعاتها , فكانت المسرحية عبارة عن مونتاج لأحداث مأساوية . ولعل ثلاث شخصيات فقط هي التي كانت تعطي معنى للترابط بين أحداث المسرحية: وهاتيك الشخصيات أكثرها ايجابية شخصية المرأة العراقية التي تمثلت فيها كل المعاني "الراديكالية " فكانت تحمل ميزة التفرد في التعليق على اغلب الأحداث . أما الدور السلبي البليد فينحصر في الشخصيتين اللتين تمتازان بالجنون , هذا الجنون الذي تأتى من بشاعة المواقف وسطوة الظلمة فأحال الإنسانية المتحركة إلى جمود فضيع وتحجر مرعب وانعدام في الإحساسات . ولهذا ينحصر دور هاتين الشخصيتين بالفرجة على المصائب والهزأ من أكثر المواقف إيلاما . ومن سير الأحداث و ورود الإشارات في النص يتضح إلى ما تشير تلك الشخصيتان فما هما إلا صورة للمجتمع العراقي في مواجهة باقي الشخوص في المسرحية التي اتخذت جانب الشر والغطرسة والتدمير ونجد هؤلاء المدمرون بصورتهم البشعة بدءا من الانطلاقة الأولى للحدث المسرحي المتمثل بتعذيبهم للأبرياء ويتضامن عنصر الإخراج مع هذه الحادثة فاضحا أبشع مستويات اللا إنسانية فيها فنجد كبير الجلادين فاغرا فاه بابتسامة سوداء وهو يعطي إشارات لجلاديه بأن يمارسوا قسوتهم وضربهم للأبرياء بعد أن اتخذ من جثث بعضهم مقعدا له . وفي هذا المشهد نجد توزيعا تشكيليا مميزا للممثلين مصحوبا بجانب صوتي يسند الموقف تجسده اللالات الموسيقية وضربات الإيقاع ونستطلع بعد حين ان هذا العنف والقسوة هو عينة من الساحة العراقية الملتهبة في الوقت الحاضر خصوصا بعد آن يأتي الحوار التالي على لسان المرأة: ( وضيعتاه لتذهب العروش للجحيم .. تمسكوا بالأرض واتركوا الكراسي الوضيعة ... فان الكراسي تطير ولكن الارض لن تطير) ويأتي المشهد الثاني وينقد كثرة الكلام غير المقرن بفعل حقيقي او إحساس بالمسؤولية واذا بالمجنونين يرقصان ولكن تلك الرقصة التي وضعها الإخراج المسرحي ما هي الا تقصد الجمع بين النقيضين ( التألم والرقص ) ولاشك أن الحوار التالي الذي يصاحب الرقصة لهو خير برهان : ( الأرض ضاعت يا سلام ...لا نملك شيئا في البلاد غير كثرة الكلام ) ويأتي بعد ذلك مشهد يتغطى بالتاريخ ليداري فضائح الحاضر ويتسم هذا المشهد بجمالية الزى التاريخي كما وانه جسد الفكرة التغريبية البرختية عبر شكل التاريخ وعبر الموقف المسرحي المغرب الملموس بوضوح عبر الحوار التالي : ( الحاجب : مولاي هناك امرأة قدمت شكوى بسرقة دارها الملك : " ضاحكا " لا يهم الحاجب : تقول قتلوا زوجها الملك : لا يهم الحاجب : لقد شردوا عيالها الملك : لا يهم الحاجب : لقد راودوها عن نفسها الملك : بغضب " ماذا أعطتهم شرفها آمركم أن تأتوني برأسها قبل طلوع الفجر ونجد في المشهد الآخر ثمة اهتمام بحرية المرأة وما تعرضت له من تهميش وعلى مختلف العصور كما ترد إشارات تهزا بمدعين السياسة وتهزا بالمتصارعين على الزعامة. وهناك مشاهد أخرى تصور ما الذي حل بالعرق من مجازر وبؤس إلى درجة أن لا تمتلك القنوات الفضائية ان تبث له غير الأخبار المفجعة وإذا بإحدى تلك القنوات تحمل علامة الجمجمة شعارا لها اما المشهد التالي فيشير إلى المجاعة والحرمان ويليه مشهد فاجع يندفع فيه العراقيون ليحجزوا لأنفسهم قبورا خوفا من ان لا يجدوا مكانا يقبرون فيه . وبعد هذه المشاهد الساخنة يجئ العامري ليضع أروع البصمات في هذا النص بعدان يعترف على لسان احد شخصياته بعجزه عن إنهاء النص :(كيف سأنهي النص والشارع يلتهب .. والأدوار وزعت خلف الكواليس .. والسكاكين وزعت هناك ) ويأتي تساءل وما ذا بشأن المسرحية . فيجيب العامري ثانية على لسان نفس الشخصية : ( أي مسرحية ما نحن الا مهرجون ..ماذا نفعل بمكان ضيق كهذا (يعني المسرح ) والدماء تسيل في الشارع هناك ثم يأتي قرار المؤلف الختامي وتتعالى أصوات الممثلين به بكل قوة وحزم ( إذن فالتسقط المسرحية وليعش الشارع ) في هذه المسرحية نجد الإخراج المسرحي له حضورا جيدا ،فعلى مستوى الصورة المسرحية ثمة جماليات مميزة أوجدتها التشكيلات الجسدية للممثلين وماكياجهم المتقن ،وأزيائهم الجيدة وقد تنوع أداء الممثلين فقد مثلوا أدوارا على خشبة المسرح وجسدوا أخرى كانعكاسات تعبيرية تخدم الموقف الظاهر بواسطة شاشة عرض وضعت في عمق المسرح حيث يرى في هذه الشاشة خيالاتهم من خلال تسليط الإضاءة عليهم من الخلف .وهي من اخراج محمد العامري ونوار صالح وعلى مستوى أدائهم فإنهم كانوا لا بأس بهم ولكن كان ينقصهم كثيرا العناية باللغة . وأخيرا اذكر أن في المسرحية قد وردت رقصات تعبيرية جميلة واذكر منها بالخصوص الرقصة الزنجية التي أجادها الممثلون وقد أعطتها بريقا أكثر الأزياء والموسيقى الزنجية . اضطلع با لادوار في هذه المسرحية :( نهاد غانم .. وليد ناجي ..سرمد فائق . ميلاد هاشم .. إيهاب عدنان . خلدون هاشم ..باسم صادق ..ضياء سلمان .. احمد فرحان . أيمن كاظم . احمد رعد .. احمد عبد الواحد. غيث عبد الكاظم . عمر فوزي . مروان الشرقي.. نوار صالح مرهون . محمد العامري ) وقد عرضت في كلية الفنون الجميلة على قاعة المسر ح التجريبي
|
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية