المسرحي والكاتب محمد العامري العراقي

موقع شخصي للمسرحي والكاتب الشاب محمد العامري

الذي يأتي وهم النص ... وهم الإخراج


الذي يأتي وهم النص ... وهم الإخراج

 


 حسن عبود

تعد موندراما ( الذي يأتي ) للكاتب " علي عبد النبي الزيدي " مبنية وبشكل أساسي على عنصر الوهم ، فهو الذي يتحكم بالشخصية ويدفع بها نحو فعال متنوعة . والطالب ( محمد العامري ) كان قد استغل هذا الوهم ليخلق ما بينه وشخصية البطل المسرحي ( الأب ) حوارية وجدلية تكشف مدى عمق المأساة التي يمر بها الأخير . إن الوهم في هذه المسرحية هو ضريبة يفرضها الانتظار الطويل المضني...

فشخصية ( الأب ) التي اختارها ( علي عبد النبي ) هي رمز لكل من فقدوا أعزتهم بغطرسة وتدمير البشر . ولكن هذا الأب يرفض الفناء وينادي بالبقاء ولا يرى إلا بعين الخيال ولا يميل لعين العقل لأنها أكثر رحمة ورأفة من منطق الحقيقة التي لا ترحم ولذا فانه يؤثر هذا الأمل الخرافي ويتخذه مسلكا حتى نهاية المسرحية دون خضوع  أو نكوص وهو أن ابنه ما زال حيا ولم يمت وانه سوف يعود ويطرق الباب في أي لحظة .
وتأتي البداية الإخراجية التي تترجم هذا الواقع من خلال الاستهلالية التي تبدأ بحفلة فنجد الحاضرين للحفل مشغولين بتناول المشروبات ، وتبادل الأحاديث على نغمات رومانسية تحوطهم مظاهر الزينة والبهجة ولكن لحظات وإذا الحفل يحال إلى صمت مطبق فلا نرى إلا صورة فوتوغرافية جامدة وبعد أن يأمر الأب المنتظر هؤلاء بمواصلة الحفل ويوبخهم على عدم الاستمرار . نكتشف انطلاقة لعبة الوهم .
فهؤلاء ليسوا سوى مخلوقات جاءت من نسج خياله فوضعهم في حفل وهمي ليس له وجود أصلا.
 أن هذه التوهمية أعطت إمكانية واسعة لاستغلال شخوص عدة كأداة لها وزجهم في مواقف عديدة
 وللإشارة والتوضيح فان هذه الشخوص في النص الأصلي ( لعلي عبد النبي الزيدي  هي عبارة عن مجموعة من الدمى ..ولكن الطالب ( محمد العامري ) كان قد أعطاها بعدا إخراجيا أخر فجعل منها شخصيات وهمية متحركة بدلا من صفة السكون المرابطة لها ولا شك إن هذه نقطة جيدة تحتسب له . ومن خلالها استطاع إيجاد بناءات تشكيلية لا باس بها.ويعتمد احد المشاهد في هذا العرض على الصورة الوهمية الخالصة فنجد شخصية الأب ولا يبدو منها سوى رأسها الظاهر من بين ستائر المسرح الخلفية وهي تحدق في هذه الصورة " صورة جنازة الابن" وكانت الشخوص تطوف بها في وسط المسرح فيخاطبهم الأب قائلا ( الصمت الجنائزي يملا أعينكم ويجركم إلى هذيان مر وهذا الحوار يؤكد انه ما زال ثابت اليقين وقوي الإرادة رغم الوساوس التي تصارعه في كل حين فما عرض أمامه ليس إلا هذيان وانه يملك زمام الصواب
وهذا الصواب يترجمه لنا مشهد المسرحية الأخير الذي يعد أجمل مشاهد المسرحية بما حمل من بنية تشكيلية جمالية وفكرة فلسفية عميقة 
 جسدها الطالب المخرج بعد ان جعل ممثليه يمتدون بخط أفقي في مقدمة خشبة المسرح وهم يحملون شموعا غير مضاءة فيأتي الأب ويحاورهم قائلا ( أوقدوا شموع الأمل ) فيوقد الشموع واحدة تلو الأخرى وهو ما زال مصرا على إن ابنه حي وسيعود .وندرك بعد ذلك بان القضية ليست قضية الابن ولكن الفلسفة اكبر حيث :
( إن الإنسان هو الذي يصنع الأمل لنفسه )
إن عرض " الذي يأتي " اعتمد التشكيلات البصرية بشكل كبير ، لكنه كان يحتاج إلى جانب ذلك تمثيلا أكثر جودة وموسيقى تبتعد عن تلك الموسيقى ذات الآلات الغربية ، كما انه كان يحتاج إلى ضبط إيقاعي أكثر دقة .ورغم ذلك فان العرض كان يحمل روح من التعبير الشفاف ، ورسالة إنسانية ترجمتها هذه البساطة بروح عالية .
اضطلع في تجسيد الأدوار ( احمد فرحان ... ضياء سلمان .. وليد ناجي .. باسم صادق .. خالد عبد عباس ..)



أضف تعليقا


Sign my guestbook